تجارب في السرد النسائي المغربي
يرصد المقال تطور السرد النسائي المغربي من حيث الكم والكيف، وانتقاله من أسماء محدودة إلى حضور واسع ومتنوّع في القصة والرواية. ويبرز كيف صنعت الكاتبات حساسيات وأساليب جديدة، خصوصًا عبر الاشتغال على الجسد والذات والاستعارة واللغة الشعرية، مع كسر القوالب الكلاسيكية للكتابة. كما يشير إلى تجدد العوالم الروائية والقصصية وجرأتها في طرح قضايا اجتماعية ونفسية معاصرة، بما يؤكد أن السرد النسائي في المغرب أصبح منعطفًا إبداعيًا بلغة ورؤية مختلفتين.
تجارب في السرد النسائي المغربي
تقديم:
عرف السرد النسائي المغربي تحولا كبيرا على مستوى الكم والكيف، الشيء الذي حقق طفرة جعلت العديد من الأسماء المغربية النسائية تحضر بقوة عبر السرد في القصة والرواية، فبينما كان السرد النسائي قديما محصورا في أسماء معينة مثل أمينة اللوه، ورفيقة الطبيعة (زينب فهمي)، وليلى أبو زيد، وخناثة بنونة .... انضافت على مر تعاقب السنين أسماء كثيرة جدا، بحيث يصعب حصرها، نذكر منها: زهرة زيراوي، وربيعة ريحان، وزهرة رميج، وحنان درقاوي، ورجاء الطالبي، ومليكة نجيب، ومليكة مستظرف، وفاتحة مرشيد، ولطيفة لبصير، وعائشة البصري، ولطيفة باقا، وزهور كرام، وزليخة الأخضري الموساوي، وحفيظة الحر، وفاطمة بوزيان، ومنى وفيق، وفاطمة الزهراء الرغيوي، وسلوى ياسين، ونسيمة الراوي، وأسمهان الزعيم، وربيعة عبد الكامل، وليلى بارع، وخديجة يونسي، وعائشة بورجيلة، ووفاء مليح، وصالحة سعد، وحادة قادر، وسعاد الرغاي، وغادة الصنهاجي، ورشيدة عدناوي، وفتيحة أعرور وووو... واللائحة تطول.
وقد عرف السرد لدى الكاتبة في المغرب تحولا ملحوظا في طرائق الكتابة و في أشكالها، علما أن القصة القصيرة، لأسباب يطول تفصيلها، قد حققت تراكما أقوى من الرواية، فالعديد من الكاتبات كتبن رواية واحدة أو اثنتين، في حين أنهن حققن، في القصة القصيرة، بلا خلاف، تراكما كميا ونوعيا! نعم، هناك روائيات حاضرات لكنهن لم تحققن إضافة على مستوى الكم ، إما لانشغالات ذاتية أو لانشغالهن بجنس أدبي آخر ونذكر من هؤلاء؛ الكاتبة خديجة مروازي في روايتها"سيرة الرماد" والكاتبة زهرة زيراوي في روايتها"الفردوس البعيد"، قد نستثني كاتبات أخريات عرفن نوعا من النشاط السردي المتميز في الحقل الروائي مثل الكاتبة ليلى أبو زيد والكاتبة فاتحة مرشيد والكاتبة زهرة رميج والكاتبة حنان درقاوي...
والسؤال الذي يمكن أن نطرحه، ما الذي تحول في السرد النسائي؟ هل نحن فعلا أمام تحول في الأشكال؟ أم في المضامين؟ هل تم تخلق كتابة سردية نسائية متميزة في المغرب؟ هل هناك حساسيات مختلفة؟ أم أن الكتابة هي كل غير قابل للتجزيء؟
الذات السردية النسائية بين الاسم المستعار والواقع:
لم تعرف الكتابة السردية النسائية في المغرب ذلك التشابه الممل في طرائق الكتابة، حتى بالنسبة للجيل السابق، فحين نقرأ أدب رفيقة الطبيعة نجد تلك التقنيات المختلفة التي تجعل نصوصها في حاجة للتأويل، إذ لم يكن الواقع المباشر هو الأهم بالنسبة لكتابتها ولكنها الكتابة في حد ذاتها.
تقول في إحدى قصصها "الوجه والمؤخرة":
"....استدارة مؤخرتها تملأ حيزا كبيرا من السرير العريض، ثنية ردفيها الثقيلين بنتوءات لحمية متزاحمة...
هل ضحك فعلا قبل أن يرتمي عليها، يسقطها أرضا، يعريها، يفري جلدها، يجرحه ويدميه، يمتص ثدييها، يعتليها ويعرق بإرهاقها، ثم يبصق من تحته فائضه الغريزي عندها مهتاجا، لاهثا حتى الموت."
والمعروف بأن زينب فهمي كانت تنشر باسم مستعار (رفيقة الطبيعة)، والمتأمل لأدبها في تلك الفترة يعرف بشكل قوي جراءة هذا الاختيار؛ فالعديد من النصوص كتبت بشجاعة أدبية نادرة منها هذه القصة التي نجد فيها الجسد موضوعا للاغتصاب من طرف رجل أجاز له العدلان صك اقتراف ما يريد، ولذا كان الاسم المستعار بمثابة ابتعاد عن نسب ما تكتبه الكاتبة إلى ذاتها خاصة في تلك المرحلة المبكرة .
من خلال هذا المقطع السردي نرى أن هناك ثنائية الرجل والمرأة التي أسست عليها العديد من الأعمال الإبداعية، إضافة إلى الهيمنة الأيديولوجية والاستعمار غير المباشر الذي لا يمكن أن لا يحضر في العديد من أعمال الأديبات أمثال خناثة بنونة وليلى أبو زيد، فقد شكل حضوره صورة أخرى للكاتبة أضافت الكثير للتوثيق برؤية مختلفة.
الحساسيات تتحول:
عرف السرد لدى المرأة الكاتبة في المغرب تحولا بينا حين أصبح الحديث عن الجسد بمثابة رغبة في التحرر من أعباء الموروث، وهي نزعة عالمية للتحرر! فقد ظهرت كتب عالمية في هذا التوجه تأثر بها المناخ السردي في المغرب، مثل "الكتابة، المرأة" لبيتريس ديدي و"غرفة تخص المرء وحده" لفيرجينا وولف، وقد أثر ظهور مثل هذه الرؤى في نوعية الكتابة السردية فتجلت أقلام تبني عائلة جديدة خاصة في الكتابة السردية وتعيد تشكيل الذات بلغة وأسلوب آخر، ينعتق فيه الجسد من أسر الموروث الثقافي الذي أثقله لسنوات طوال، وهنا ظهرت أعمال حنان درقاوي، و ربيعة ريحان، وزهرة زيراوي، ورجاء الطالبي، ومليكة نجيب، ومليكة مستظرف، ولطيفة باقا، ولطيفة لبصير وغيرهن كثير، وإن كانت المقاربات تختلف إذ نجد ضمن أعمالهن الكثير من الثنائيات المتضاربة في الأسلوب، كأن نجد مثلا، أن جزء كبيرا من الأنا لدى المرأة الكاتبة يكمن في الأسلوب، فتكثر الاستعارات بحيث أن بداخل الأسلوب تكمن رمزية اللاوعي وتتشكل في نزاع مستمر مع الرقابة كي تتولد بشكل آخر، ونجد لدى مليكة نجيب هذا الأسلوب ذاته الذي يضمر ثنائيته الخاصة، تقول في إحدى قصصها "طلطيوش":
"لم أكن وحيدة فوق فراش العنوسة. احتواني داخله بيضة، نواة لانطلاق حياة مختلفة. جرفني.دغدغني.حملني.احتضنني، تسربلني. جمدني وأذابني. جرعني ثم دفقني: نشوة، حلما، انتشاء، تفقدت نفسي واستنجدت بحواسي الراقدة".
فمن خلال أفعال الأحاسيس التي تتكرر في هذا المقطع يضعنا السرد أمام ذات لا تتحقق إلا عبر استعارات متكررة ومكثفة ومتخيلة في آن، وكأن الأنا لا تستطيع أن تتحدث إلا عبر سلسلة من المفردات المعجمية التي لا تعبر بمعناها المباشر؛ ولذا تهيمن أساليب التهوين في العلاقة بالجسد، لأنه يصارع في الظهور بشكله، فيجد نفسه محاصرا بالعديد من سلاسل الرقابة التي تداهمه فيتحول إلى سلسلة من الدوال المتناثرة في النص، والتي تؤجل مدلوله النهائي! وفي بعض الأحيان، تتركه محذوفا لا يرى وكأنه سر ملقى على عاتق قارئ عليه أن يفكك رموز بنياته.
الاستعارات تتشكل:
في أعمال زهرة زيراوي نجد ذلك البناء العائلي الذي يبني الذات الأنثوية بقاموس خاص وبملامح تجليها كأنثى لها عطرها وهواجسها وحضورها وألوانها، لذا نجد ذلك المد الذي يتكرر في أعمالها منثورا بدفء له "أوجاعه" الخاصة وكأننا على حد تعبير جوليا كريستيفا؛ ليست لنا المشارب ذاتها، ولا الأهواء نفسها؛ لنا حساسيتنا المختلفة، هكذا نجد الأديبة زهرة زيراوي تقول:
"هذا الزمن الجامد في قبضة كفها كفراشة ورقية، والمعلق على عود النهار غلالة نوم تلفه ذاكرتها...تركت المقعد الواطئ واتجهت نحو المرآة...تفرست في وجهها...مفصولا عنها كان...بدا لها جسدها كأن لا علاقة لها معه...منذ أن تشكل المطر دما أو قرنفلة وأنا أترقب مجيء كلماته، خطواته...لكنها غابت"
والاستعارات ذاتها تتشكل في العديد من الأعمال، تقول لطيفة باقا:
"النافذة منفرجة...الستارة تلهث خلفها. أنا مشلولة في الزاوية أراقب تمدد ذلك الإحساس العنيف(الذي لم أسمه بعد) من أخمص قدمي إلى أعلى رأسي...(لن أنهض لأغلقها).
فالمتأمل للعديد من التجارب السردية النسائية في المغرب يدرك أن هناك استعارات جديدة للذات قد تشكلت، ولا يمكن إلا أن تقرأ بالعديد من أساليب القراءة اللاواعية للأعمال الأدبية، فالعمل اللاواعي للذات لا يتجلى إلا عبر غطاء من الصور التي أفرزت لنا عالما سرديا خاصا، تختلف فيه الكاتبة سردا وتخييلا ولغة وتوقفات أثناء السرد وهذا يضعنا في قلب الإشكال الذي لطالما طرح حين يتعلق الأمر بما تكتبه المرأة فقط.
المرأة تصنع اللغة:
لا يمكن القول بأن دراسة الأدب الذي تكتبه المرأة يتم بمعزل عن الأجناس الأدبية التي رسخ فيها الرجل أهم النظريات الأدبية، كما أنه لا يمكن القول بأن المرأة ستنادي بعزل نظرية الأدب النسائي عن باقي النظريات الأدبية. وقد نادى النقد النسائي، سواء الغربي أو العربي، بإعادة دراسة العديد من المتون النسائية لاستنباط الكثير من الحبكات المختلفة عوض الخلاصات النمطية، وبالرغم من العديد من المزالق بخصوص النقد النسائي بوصفه نظرية معزولة عن نظرية الأدب، الشيء الذي لا يمكن أن يحدث البثة، إذ أن تطور الأدب هو تطور عام، علما أن خصوصية السرد النسائي تتم أيضا بموازاة ما يحدث من تطور في الأدب ككل.
ولذا فأنا أراهن على أن السرد النسائي في المغرب شكل منعطفا جديدا تجلى في اللغة التي صنعتها الكاتبة المغربية وهي تخلق لها متونا تجاوزت الأبعاد الكلاسيكية التي تفرق بين رجل وامرأة في الكتابة دون أن تنسى حساسيتها الخاصة، فمثلا نجد العديد من الكاتبات يتحولن إلى ضمائر مذكرة كي يتحدثن عن عوالم غيرية كما الشأن مثلا في المجموعة القصصية "الحلم الأخضر" لمليكة نجيب، لكن الأمر يختلف حين تتحدث عن ذات أنثوية، آنذاك تتجلى تفاصيل وأشكال كتابة أخرى ضد تسطيح اللغة وتهميش الخطاب الأنثوي، فالكاتبة وفق هذا الاعتبار تبني لغة أخرى من خلال إبداعها الخاص، كأن نشم رائحة عطرها الأنثوي الخاص بلغتها الخاصة ومشاعرها وهي توزعها ضمن أسلوب يتلوى ويرقص ليعبر عن خصائص الطبيعة الأنثوية، تقول الكاتبة فاطمة الزهراء الرغيوي:
" ...ثم يهطل المطر. يتبلل شعري فأفكر بخسارة العشرين درهما في محل الحلاقة. ثم أصل متأخرة إلى الموعد. يكون جالسا في معطفه الجلدي أمام الواجهة الزجاجية في الطابق الثاني. لا يقف ليستقبلني. يمد وجهه فقط. كأنه يقول قبليني.أقبل الهواء على جانبي وجهه"
فالساردة في هذا البناء الجديد تخلق لغة أخرى تبدو مختلفة عن البناء التقليدي الكلاسيكي للسرد الذي كان يتبنى الثنائية الكلاسيكية بين امرأة ورجل وفقا للشأن المعلوم كما تم تلقينه لها عبر سنين ومن خلال قنوات متنوعة كتغذية يومية، ولذلك نجد أنفسنا أمام رهان جديد ومغامرة جديدة أيضا للكتابة.
السرد الروائي بعوالمه الجديدة:
لا يمكن أن نغض الطرف عن العوالم الروائية الجديدة التي أسستها الروايات التي كتبتها الروائيات المغربيات بوعي مختلف يبني خطابا جديدا بحيث أطلت علينا بوعي مختلف الكاتبة زهرة رميج وفاتحة مرشيد وعائشة البصري وربيعة ريحان وغيرهن، فنجد بناء آخر على مستوى أشكال الكتابة ومضامينها أيضا، فالكاتبة فاتحة مرشيد اختارت أن تبني لنفسها عالما تؤسسه على مدى سنوات بدءا من التنوع في الشكل والمحتوى منذ روايتها الأولى "لحظات لا غير" التي اختارت أن تقوم على ثنائية تحليلية نفسية ألا وهي التحويل والتحويل المضاد الذي يحدث في عملية العلاج والتي وظفتها في علاقة مريضها بطبيبته، استثمرت فيها أبعادا أخرى تتعلق بالتحليل النفسي، وكما جددتها على مدار أعمالها الأخرى مثل "مخالب المتعة" و"الحق في الرحيل" و"الملهمات" و"انعتاق الرغبة" نمطا خاصا في الشكل والمحتوى؛ فنحن أمام سرد يوازي العصر الذي وجد فيه، و يوظف المصطلحات العلمية والنفسية، كل ذلك مع مضامين بمنظور آخر مثل وضعية "الجيغولو" في المجتمع التقليدي وصراع الرغبة والواقع، أو وضعية المتحول الجنسي وصراعه كي يوجد كشخص له وجود يحترمه الآخرون كما هو، أو الحق في الموت حين تتعذر الحياة إلى غيرها من المواضيع التي أهلت الكاتبة نفسها إلى شكل خاص للكتابة . تقول في روايتها "مخالب المتعة" على لسان بطلها:
" اضطهاد المجتمع للمرأة جعلها تتعلم كيف تمارس الحياة حتى وهي وراء القضبان...جعلها تتقن فن البقاء على قيد الحياة..تعلمت الكثير من هؤلاء النساء..تعلمت منهن العطاء في الحب. تعلمت أن تكتمل متعتي بمتعتهن ..أدركت إلى أي حد كنت أنانيا، وهمجيا، وجاهلا بجسد المرأة ومتطلباته".
فالعديد من الأساليب تجددت دماؤها مع كاتبات السرد في المغرب، واقتراح العديد من الأشكال القصصية الجديدة قد غير نظام السرد ببنياته الكلاسيكية وجعله يرتاد أماكن جديدة و مختلفة، ولذا نجد العديد من الاستهلالات النصية غير مطروقة مسبقا وقد تخلصت من الكثير من الاستهلالات التي تقيد السرد وفق نمط الحكاية فقط، كأن تطرق أشكالا أخرى من التعبير والمغامرة؛ ولذا نجد في أعمال حنان درقاوي ذلك التنويع في السرد الذي شرع يرسم ملامحه الخاصة منذ مجموعتها القصصية "طيور بيضاء" مرورا بعوالم الفلسفة في مجموعتها "ذرات" إلى عوالمها الروائية المتعددة مثل "الخصر والوطن" و "جميلات منتصف الليل" و جسر الجميلات" إلى غيرها من الأعمال التي تبرز صوت المرأة في عز قهره المجتمعي، ورغبة من الكاتبة في الصعود بصوت نسائي جديد ضد التحرش والاغتصاب والإجهاض وكل الأعباء التي يلقيها المجتمع على المرأة بدون رحمة.
نخلص بعجالة، إلى أننا أمام لغة مختلفة متجددة صنعتها الكثير من الأقلام النسائية المختلفة، ولعل الكاتبة منى وفيق مثلا قد بنت لعبا آخر في الكتابة يوازي اللعب الرقمي، فأصدرت عملها " com. لعب. www" الذي يراهن على جمالية تفاعلية أخرى غريبة من نوعها في حقل السرد، أو سلوى ياسين بعملها الرمزي الذي يفتح شهيتنا لقراءة مختلفة أيضا مثل عملها "أنظر"، وليلى بارع في عملها الفني المشكل "اليد الخضراء" ، كل هذه الأشكال الفنية الجديدة في السرد ستجعلنا نؤكد أننا فعلا أمام حساسية مختلفة لغة وأسلوبا وثقافة ورؤية وباستثمار العجائبي والحلمي والتخييلي بصوت امرأة نكون أمام بناء جديد لذاكرة مختلفة..بناء لا يرى النعومة شرطا لازما!!

انظر إلى الأمور من منظورٍ أوسع، واشترك فورًا لتصلك أهم الأخبار.
* بياناتكم محفوظة ولن نشاركها مع أي طرف.

Join Our Newsletter
Get a weekly selection of curated articles from our editorial team.












