المرأة والبناء التخييلي المتحيز

يحلّل النص كيف تُحمَّل المرأة في المجتمعات المختلفة عبء تمثيل الثقافة والهوية داخل نظام ذكوري مهيمن، فتُحاكم في شخصها على رموز دينية وثقافية لا تختارها وحدها. ويبيّن أن الأدب والاستشراق والإنتاجات السردية عالميًا كرّست صورًا نمطية عن النساء، سواء في تصوير المرأة الشرقية أو الغربية أو اللاتينية، مما يجعلها الضحية الأولى للتنميط الثقافي. ويخلص إلى ضرورة تطوير دراسات النوع وإنتاج أدبي مقاوم يفكك هذه الصور المتحيزة ويكسر ربط الثقافة بالمرأة وحدها.

Now reading:

المرأة والبناء التخييلي المتحيز

تنوء المرأة في أي مجتمع كانت، ضمن ترتيب ذكوري مهيمن، دائما بثقل تمثيل وتجسيد الثقافات والهويات. المرأة بموجب هذا الترتيب معيار تقويم الثقافات في زيها و في كلامها وتعاملها. في المرأة دائما يتم البحث عن كنه واسرار الثقافات الغيرية،  بل وحتى الانزياحات النمطية حيث يتغذى  مخيال  الآخر  المُشَكلِ  بقصد  اختزالي عنها بما يكرس صورة  نمطية متحيزة. 

 بات هناك ، بناء على ذلك،  تلازم غير منصف بين المرأة وتمثيل الثقافة، خصوصا حينما يكون هذا التمثيل عبئا ، أي حينما تصير المرأة  هي من تُحاكم في شخصها  على مآلات تأويل الرموز الثقافية والدينية  التي تحملها وتمثلها، وهي التي تتلقى الأحكام الجاهزة عن ثقافتها وهويتها من  الآخر. في كل المعالجات الثقافية و الفينة في العالم التي تناولت الآخر ركزت على المرأة. حدث هذا و وقع بشكل ملحوظ في الخطابات الاستشراقية عن العالم العربي  والشرق عموما. ونموذج ذلك الاختزال الحريمي في نهاية المطاف  التي وقعت فيه شهرزاد  في التصنيفات الخطابية   الغربية ، وقد تطرقت الى ذلك الراحلة فاطمة المرنيسي  التي قامت  بسعي فكري وأدبي لتحرير شهرزاد من أسر الاختزال والتحيز. الكل يتذكر عبارتها الشهيرة "إن شهرزاد جردوها من كل شيء في الحدود" ، وهي تقصد الحدود الثقافية حينما استقبلها شغف الرأي العام الأوروبي  ضمن مقروءاتهم عن الشرق.

   و نلمس أيضا ذلك التركيز الخطابي على المرأة موضوعة سردية أو أدبية عموما في الكتابات الكولونيا لية الغربية عن أمريكا اللاتينية، سواء أكان  في أدب الجوار الأمريكي أم في الأداب الإيبيرو إسباني،  فهن لم يغادرن في هذه المعالجات الأدبية  إطارات  تأويلية متحيزة، مغرقة في نماذج تستجيب على مستوى المخيال الأدبي  إلى نمطية  تصنيفية ما. وتقول الباحثة من أمريكا اللاتينية يوليفيس غارسيا بيرموديث :" إن صورة  المرأة اللاتينية في الأدب الغربي لم تغادر نماذج مثل عاشقات  ومرافقات"  

Moroccan Saloon

 ولا تشذ الكتابات الأدبية العربية عن العالم الغربي من ذات الصياغة النمطية والذكورية   لموضوعة المرأة الغربية الثاوية في أعمال أدبية لكتاب أدب عرب  كبار وصغار . في كل هذه الانتاجات الخطابية، تكون المرأة الغربية  نقطة اختراق  عبر موضوعة  الجنس، حيث  البطل و الأبطال   يبدون حاملين فحولتهم باعتبارها رأس مال ثمين (عنتر شايل سيفه). يشتغل  "محفزا سلوكيا" محركا  للفعل في النسيج السردي والدينامية النصية الحكائي في الغرب  لدى   الأشخاص  الذكور العرب الشرقيين  كما تصورهم هذه الأعمال الأدبية  العربية نفسها.  ولعل "رواية موسم الهجرة الى الشمال"  للكاتب السوداني الطيب صالح،  توضح هذه النقطة :" حيث يصل مصطفى سعيد إلى الغرب بعقلية الرجل الشرقي المعتادة، فتكون النساء هناك شغله الشاغل، ويكون الجنس هو الطريقة الرمزية للثأر من الغرب في نسائه". وتشتغل هذه الصورة النمطية للجنس والنساء عند الشرقيين بؤرة سردية مكرسة للاختلالات التخييلية المتحيزة. 

يبدوا إذن ذلك التلازم المفروض بين تمثيل الثقافات والهويات وبين النساء، ويبدو بتداعيات تكون المرأة هي من تتحمل أعباءه، وتنوء بتداعياته السلبية.  يكون عنصرا محفزا في تكريس الصور النمطية عن الثقافات والمجتمعات الأخرى من خلال المرأة. لكن اللافت فوق ذلك كله، أنه يبدو ظاهرة كونية لا تخص ثقافة بعينها، بل هي مشتركة في البينة والوظيفة   على صعيد كوني  وإن كانت تبدو مختلفة في المظهر و التجليات، لكن تبقى الذكورية واحدة.

يكرس هذا التواطؤ الكوني في الأداب العالمية، واقع توريط المرأة سرديا وتخيليا في تحميلها وزر تجسيد للثقافات والهويات، يجعلها الضحية السردية الأولى لعمليات التنميط الثقافي الذكوري، وتجريب الصور النمطية عليها. اللافت أن التخييل الأدبي هو الأكثر تكريسا لتلك الصور النمطية ولربط المرأة وحدها بمسؤولية تمثيل الثقافات الأخرى والهويات الغيرية، ويكرسها الاعلام، وتمضي بها بعيدا الشبكات الاجتماعية.   

ما توصي به بعض الاقتراحات، هو تطوير دراسات عن النوع وتكثيف إنتاج أدبي أيضا واسع وكوني يتبنى مواقف مقاومة للخطاب الذكوري في نمذجة الشخصيات النسائية، والتي تنتهي بالوعي بالاستراتيجيات الموضوعية الأسلوبية التي ترسخ هذا النزوع التصنيفي المتحيز . 

النشرة الإخبارية

انظر إلى الأمور من منظورٍ أوسع، واشترك فورًا لتصلك أهم الأخبار.

Thank you for subscribing!
Oops! Something went wrong while submitting the form.

* بياناتكم محفوظة ولن نشاركها مع أي طرف.

Join Our Newsletter

Get a weekly selection of curated articles from our editorial team.

Thank you for subscribing!
Oops! Something went wrong while submitting the form.