المُعرَّب والمُفرنَس
يناقش النص فكرة أن “أكبر عدو للكاتب هو التجاهل”، ويرى أن الاعتراف بالكتّاب لا يرتبط دائمًا بقيمتهم الأدبية بل بسياقات ثقافية وسياسية وتعليمية. كما ينتقد التفريق بين الكتّاب بالعربية والفرنسية، معتبرًا أن التهميش أو الشهرة قد يطالان الطرفين، وأن أزمة القراءة والتعليم هي الجذر الحقيقي للمشكلة.
المُعرَّب والمُفرنَس
ربما كان العنوان الذي وضعوه للحوار الذي أُجْرِي معه هو الأهم… لأنه يتجنب التناقض ولا يغوص
ولا يقارب المسكوت عنه، ولا يُعنى بما لا يعنيه بشكل مباشر. العنوان ها هو: (أكبر عدو للكاتب هو
التجاهل)، وقد ترجمته حرفيا دون أن يعنيني في التعبير أنه كان من المفروض أن يكون هكذا: (أكبر
عدو لكاتب ما هو التجاهل). التعبير الأخير، هذا الذي فيه إضافتي، يعني بكل تأكيد أن هناك من الكتاب
من لم يسمعوا بالتجاهل إطلاقا، وأنهم منذ البدء حظوا بالاهتمام من طرف قرائهم، وإذا وسعنا الدائرة قلنا
من طرف أوطانهم. ومن الطبيعي (التي أكتُبُها على مضض) أن يوجد كتابٌ لم يحظوا مطلقا بأي اعتبار
أو باعتبار مؤقت سرعان ما خبا، أو باعتبار كاذب لم يكن لهم بأية جدارة. وهذه الوضعية لا ترتبط عادة
بالقيمة الثقافية أو الأدبية الإبداعية لكاتب ما بل بسبب ظروف ثقافية معينة غالبا ما تكون انعكاسا
لمستوى التطور الثقافي في البلد المعني، وأيضا لحالة التأخر الذي قد تعاني منه الثقافة أيضا، وربما
بسبب أوضاع استثنائية تكون فيها الثقافة إما تابعة للسياسة أو لغيرها، وإما أن تكون من جراء وجود
سُلَطٍ استبدادية تتوجس من دورها في المجتمع في ارتباط مع التعليم فتنفي دورها أو تقبره لفائدة
اهتمامات أخرى.
مات بيسووا عن سن الخامسة والأربعين ولم يكن قد حظي في بلده البرتغالي بأي اعتبار ربما، زاده أنه
كان غريب الأطوار رغم ثقافته المتنوعة فلم يبذل أي جهد للظهور بمظهر المثقف البارز صاحب
الأدوار والمواقف وما شابه. وإليك سطيفان زفايغ الذي جنى من الاهتمام ما لم يجنه غيره، مع مال وفير
وإنتاج أدبي وسياسي متنوع، فانعكس كل ذلك على الاهتمام به وقراءة القراء بالألآف لإنتاجاته إلخ، غير
أنه أنهى حياته بانتحار (سأسميه بليدا، مع الاعتذار) في منطقة نائية بالبرازيل.
والنرجسية التي تعمي كثيرا من الكتاب لا تسمح عادة باستنتاج ما يلي: أن بيسووا تحول إلى الكاتب
الوطني الأًول عام 1985 بقرار من الدولة البرتغالية، وأن أعماله انتشرت وترجمت إلى لغات، وأنه
يَرِدُ الآن على لسان أي كاتب مهموم بالإحالات الرمزية أو يرى في نفسه بعض التميّز الخادع.
ويقال نفس الشيء تقريبا عن زفايغ الذي زادت شهرته عن الحد المتوقع في السنوات العشرين الأخيرة،
وأن كتبه ما فتئت تُتَرجَم إلى لغات، وأن أدبه ومسار حياته يتصدران المجلات والبرامج.
ربما لم يخطر على بال الكاتب بالفرنسية محمد نضالي أن التجاهل، ولا أعرف كيف توصل إليه ولا
كيف استنبطه، ليس حالة أو وضعا يخص الكاتب باللغة العربية دون الكاتب باللغة الفرنسية. فقد يكون
معمما ولا دخل، في كثير من الأحيان، للغة في إقامته أو طغيانه. هذا مع القول أيضا إن التجاهل الذي قد
يشعر به الكاتب بالعربية هو من طبيعة وجوده ككاتب بالنظر إلى الأمية الثقافية السائدة والأمية القرائية
المرتفعة.
والمشكلة في استجواب نضالي تبدأ من تفريقه بين (المُفَرنس) و(المُعرّب)، وهذا تقليد دأب عليه بعض
المتفيقهين حين يدّعُون أن الكتابة (والتحدث) بالفرنسية أرقي من (عَدُوَّتِها) العربية في عرفهم… إن
كان لهم عُرف مَرْعي.
وتبدأ المشكلة الثانية من قوله إن الكاتب بالعربية يشعر بالغُبن فيعمد إلى طبع كتبه على نفقته ولا يبيع
منها إلا ما سوف يتحصَّل له لطبع الكتاب الموالي، وأن الكاتب بالفرنسية يشعر بالحظوة (لوجود نوع من
القراء الأساسيين يمنحونه نوعا من الاعتبار).
كيف يجرؤ محمد نضالي على القول إن (قراء الكتّاب والشعراء المعربين يعدون على رؤوس الأصابع)؟
متناسبا أن الكتاب بالفرنسية هم نتاجٌ طُفَيْلي للظاهرة الفرنكوفونية، وأن انتشار إنتاجهم يكون مصحوبا
بالدعم الذي تقدمه لهم المؤسسة الفرنكوفونية.
محمد نضالي نفسه، ولم يكن سوى مدرس للفرنسية في منطقة بالجنوب، لم يكتب إلا بالفرنسية، وأن
نبوغه الأدبي صار مضمونا بسبب دعم الكتاب الفرنسي في المغرب، وهذا لا ينفي عنه مطلقا أنه كاتب
رصين وله إبداع مميز. غير أن تقديراته الثقافية لحال الكُتاب المغاربة للتمييز بين من يكتبون بالعربية،
وبين الذين يكتبون بالفرنسية هو من قبيل التجني المبالغ فيه في الحالة الأولى والوهم المفرط في
النرجسية في الحالة الثانية.
أيها الكاتب بالفرنسية انشر كتابك حيثما شئت فستبقى شهرتك مهما كان عدد قرائك (الأساسيين) علامة
على وجود هامشي على صعيد الثقافة، وأما لغتك الفرنسية، على ما هي عليه في (المحيط) لا في
(المركز)، فأساسها اقتصاد تبعي مرتهن للسياسات العامة التي تقررها الدولة في مجالات مختلفة.
أيها الكاتب بالعربية انشر كتابك حيثما شئت فستبقى دائما مغمور الجانب لأنك تكتب في محيط لا يهتم
بالقراءة، ونظامه التعليمي فاشل ومُخَرّب للعقول وللأذواق، والاهتمام بالإنتاج الثقافي والأدبي أصبح
مدفوعَ الأجر، بسبب التدافع التكنولوجي. ومع ذلك يُحْمَد لنضالي أنه استدرك الأمر عندما قال: (إن
القراءة ليست تقليدا تربويا... لقد درّستُ مدة ثلاثين سنة ولم أتوقف عن القول: إن الوسيلة الأكثر نجاعة
لإنقاذ التعليم المغربي هو جعل القراءة في صلب التعلم).
أجَدْتَ فطوبى لك يا أخي. الصورة الأن أقوى من البيان، وفي ذلك يستوي أصحاب اللسان مُعَرّبينَ
ومُفَرْنَسين.

انظر إلى الأمور من منظورٍ أوسع، واشترك فورًا لتصلك أهم الأخبار.
* بياناتكم محفوظة ولن نشاركها مع أي طرف.

Join Our Newsletter
Get a weekly selection of curated articles from our editorial team.












