هل يفلح الوُورْكِيسْم؟
يتناول النص كيفية توظيف بعض النشطاء في المغرب لخطاب الأقليات و“الووكيسم” لحشد الدعم ورفع مطالب الحريات الفردية، مع مقارنة بنشأة الحركة في الولايات المتحدة. ويرى أن هذا الخطاب، رغم محدوديته وعفويته، صار تعبيرًا عن التطلع للديموقراطية والحرية وتحديًا للعنف الاجتماعي والقوانين الجائرة.
هل يفلح الوُورْكِيسْم؟
ربما أصبح من المؤكد أن بعض النشطاء السياسيين في المغرب، وإن تكن ظروف الجائحة
قد قلصت من ذلك شيئا كثيرا، صاروا أقدر على استعمال الخطاب الذاتي للأقليات استعمالا
مقصودا، بما فيه من دواعي إيديولوجية وأهداف علنية، في كثير من الفضاءات ومجالات
الحياة والنضال اليومي وغيره، قصد حشد الدعم وصوغ الأفكار والشعارات والمطالب
والوصول إلى النتائج التي يفترضونها لعملهم ولمطالبهم... بصرف النظر إنْ كانت واضحة
أم غامضة، إصلاحية أم جذرية، في سياق معين أو بدون سياق البتة، واعية وعيا اجتماعيا
في علاقة بما تمثله أم لا تحمل أي وعي.
ويعاد إلى الذهن أن هذه الحركة جديدة تماما وإن يكن قد مضى على ظهورها وتواصل
ديناميكيتها الفعلية الناهضة في الولايات المتحدة الأمريكية، في علاقة ببعض الأحداث
العنصرية والمواقف التمييزية، وقتا لا بأس به. فقد تمكنت من اكتساح كثير من المناطق
والفضاءات وأصبحت، في ظل هذا الاكتساح، صوتا مطلبيا وحركة نضالية يعتد بها وتؤخذ
بالجدية والحسبان. ووصل الأمر بفرنسي يعمل في جامعة أمريكية أن قال ناكرا على فرنسا
أن تبلغ شأوها: (إن أحسن طالبة تحضّر الدكتوراه في قسمنا بالجامعة مُحَجَّبَة. فهي تقرأ
بطاي G. Bataille وتشتغل على "الشوعاه" وليفيناس Levinas. وشيء من هذا القبيل
غير ممكن في فرنسا). غير أنني يمكن أن أضيف، بِحِسَابٍ شخصيّ يُلْزِمُنِي وحدي، أن ذلك
أصبح ممكنا في المغرب منذ أن ارتفعت عاليا، وإن يكن على نطاق محدود وخارج أسوار
الجامعة، مطالب (الحريات الفردية) التي لا ينص عليها أي قانون ولم يرد لها ذكر في أي
دستور. ويدخل في باب المطالبة بالحريات الفردية كل ما له علاقة، خاصة أو عامة،
بالممارسات التلقائية النابعة من اختيارات الأفراد لا مما تقرره الشرائع في صيغة موانع
اجتماعية أو دوافع أخلاقية أو دينية... كالمثلية والعلاقات الرضائية ومختلف أشكال وصور
التمييز بسبب الجنس أو اللون وسوى ذلك مما هو، أو بعضه على الأقل، في واقع الأمر
مقموعا أو ممنوعا أو غير مرغوب فيه أو يمارس تحت جنح الظلام إلخ.
فالخطاب المنقول في المطالب المطروحة، في ساحة الإعلام أو في فضاء الشبكات
الاجتماعية، من الجرأة في الصوغ أراها تتجاوز بكثير الحدود المرسومة للقول المباح. ولا
يبدو أن المعبرين عنه، وأحيانا بأشكال مطلبية مبتدعة، يتسترون تحت أي شكل من أشكال
التخفي، وإن يكن بعضهم (من الجنسين) قد فضل الهروب بمطلبه إلى الخارج إحساسا منهم
بضيق الأفق الذي يطرح فيه وانغلاق الذهنيات التي يمكن أن تستقبله. وربما كانت الصدمة
المعنوية كبيرة يوم خرج فِتْيَةٌ حالمون بالأفق المنور (ولعلهم كانوا غافلين عن واقعهم
المتخلف المحجوز أو متوهمين فقط) واقتعدوا الشارع العام يأكلون ويشربون ما طاب لهم
في يوم قائظ من أيام رمضان. ومن تلك الصدمة أيضا، قبل هؤلاء، خُرُوجُ (عبدة الشيطان)
إلى العلن عام 2003 غير أبهين بما كان ينتظر ثلاثة عشر منهم أدينوا بعقوبات.
المُحَجَّبَة في الجامعة الأمريكية تمارس المعتاد في أجواء ثقافية تتميز بالحرية والاختلاف،
وهذا وجه الفرادة في حياة لا تشوبها شائبة قمع ولا إكراه ولا منع بنص القانون... ويمكن
لتلك المُحَجَّبة أن تقوم بذلك في فرنسا أيضا، ضدا على اعتقاد (بْرُونُو شوَّاط)... إلا إذا كان
الخَرْقُ (المُتَعَمَّد)، من قِبَلها أو من قبل شخص آخر، في تحدٍّ سافر للمكتسبات التي أكدها
تاريخ التطور والصراع ورسوخ الديموقراطية والعمل بها في المؤسسات الضامنة لتطور
الأفراد والجماعات. ولا يكون الخرق، في هذه الأجواء، إلا إذا تحول ما عَنَيْتُه بتاريخ
التطور والصراع إلى تاريخ إجحاف (عبودية متجددة) وخضوع.
أما في المغرب فهو "نزعة"، رغم محدوديتها وعفويتها مع الإقرار بجنوحها الطفولي كذلك،
لمقارعة العنف الاجتماعي المرتبط بذهنية سحرية، فضلا عن التحدي العلني للصيغ القانونية
الجائرة المعمول بها من قبل المؤسسة. فيكون بذلك، وقد يحتاج الأمر إلى تنظير ما زال
يفتقر إليه، عنوانا رافدا للمطالبة بالديموقراطية وتعبيرا مؤكدا عن الشوق للحرية وإيحاءا بما
لدولة القانون من أهمية في رعاية الحقوق وحماية الأفراد واحترام للأقلية... مما يعني أيضا،
وهو وارد في الاسم الحركي الأمريكي woke، أن العين لا يجب أن تنام، بل عليها أن تظل
مُفَتَّحَة للذود عن معاناة الأقلية وأشواقها.
والظاهر في هذه الحالة أن التقدم الحضاري قد يعزز الفُرْقَة بعد أن أتخمته الديموقراطية،
وأما التخلف الحضاري فيضرم نار الاختلاف بعد أن أجَاعَهُ الاستبداد. هذا مع الذكر الحسن
لرواد الحركة من أمثال: طرايبون مارتان، ميكايل براون و جورج فلويد.

انظر إلى الأمور من منظورٍ أوسع، واشترك فورًا لتصلك أهم الأخبار.
* بياناتكم محفوظة ولن نشاركها مع أي طرف.

Join Our Newsletter
Get a weekly selection of curated articles from our editorial team.













